الشيخ محمد النهاوندي

379

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

[ البحر ، فهناك ] نار اللّه الكبرى « 1 » ليكون حسرة على من عبدهما ، وإنّما ذكّر الفعل لأنّ الكلام في تأويل جمع بينهما أو جمع النوران ، أو لتقدّم الفعل . فعند ذلك يَقُولُ الْإِنْسانُ المنكر للبعث من كثرة التحيّر وشدّة الوحشة يَوْمَئِذٍ ووقت مشاهدة الأهوال : إياسا عن إمكان الفرار : أَيْنَ الْمَفَرُّ وهل إلى موضع يحفظني سبيل ؟ [ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 11 إلى 15 ] كَلاَّ لا وَزَرَ ( 11 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ( 12 ) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ ( 13 ) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( 14 ) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ ( 15 ) ثمّ ردعهم سبحانه عن الطمع في الفرار بقوله : كَلَّا وحاشا أن تجدوا مفرّا لا وَزَرَ ولا ملجأ ولا معاد لأحد من العذاب ، بل إِلى رَبِّكَ ومشيئته وحكمه يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ والمرجع لا إلى غيره . وقيل : يعني إلى مشيئة ربّك مستقرّهم ومنزلهم من الجنّة والنار « 2 » . يُنَبَّؤُا ويخبر الْإِنْسانُ المكلّف في الدنيا يَوْمَئِذٍ وفي ذلك الوقت بِما قَدَّمَ من عمل خير وصدقة مال وعبادة خالصة وَ ما أَخَّرَ وترك ولم يعمل . وقيل : يعني ممّا قدّم من أعماله مطلقا خيرا كان أو شرا ، أو بما أخّر من زمان حياته من سنّة حسنة أو سيئة « 3 » . عن الباقر عليه السّلام : « بما قدّم من خير وشرّ ، وما أخّر من سنّة يستنّ بها من بعده ، فإن كان شرّا كان عليه وزر من عمل بها ، ولم ينقص من وزرهم شيئا ، وإن كان خيرا كان له مثل أجورهم ، ولا ينقص من أجورهم شيئا » « 4 » . وقيل : إنّ معنى ( ما أَخَّرَ ) ما خلّفه من المال ، أو أوقفه ، أو أوصى به « 5 » . بَلِ الْإِنْسانُ لا يحتاج إلى أن ينبّأه بأعماله ويخبره غيره بها ، لأنّه عَلى جميع أعمال نَفْسِهِ في الخلوات والجلوات صغيرها وكبيرها حجّة بَصِيرَةٌ وبيّنة واضحة ، أو المراد ذو بصيرة كاملة ، لحضور جميع أعماله في نظره بصورتها البرزخية ، وشهادة جوارحه بها ، وتقبل شهادتها عليه وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ وأرخى ستوره وأراد إخفاء أعماله . قيل : إن السّتور استعمل مجازا في الأعذار بعلامة المشابهة ، فكما أنّ السّتور تمنع رؤية المحتجب ،

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 30 : 220 . ( 2 ) . تفسير الرازي 30 : 221 ، تفسير أبي السعود 9 : 66 ، تفسير روح البيان 10 : 246 . ( 3 ) . تفسير أبي السعود 9 : 66 ، تفسير روح البيان 10 : 247 . ( 4 ) . تفسير القمي 2 : 397 ، تفسير الصافي 5 : 255 . ( 5 ) . تفسير أبي السعود 9 : 66 ، تفسير روح البيان 10 : 247 .